فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا}

اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة، وتكون للرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه، وتصلبّهم في نبذ دعوته، فأنبأه الله: بأنّ هؤلاء أعداؤه، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم، فما منهم أحد إلاّ كان له أعداء، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبيء عليه الصلاة والسلام بِدْعا من شأن الرّسل.
فمعنى الكلام: ألَسْتَ نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا إلى آخره.
والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى الجعل المأخوذ من فعل {جعلنا} كما تقدّم في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطًا} [البقرة: 143].
فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل {جعلنا}.
وقوله: {عدوًا} مفعول {جعلنا} الأوّل، وقوله: {لكل نبي} المجرور مفعول ثان ل {جعلنا} وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به، لأنّه الغرض المقصود من السّياق، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة الله في أنبيائه كلّهم، فيحصل بذلك التَّأسِّي والقُدوة والتّسلية؛ ولأن في تقديمه تنبيهًا من أول السمع على أنه خبر، وأنه ليس متعلّقا بقوله: {عدوًا} كيلا يخال السّامع أنّ قوله: {شياطين الإنس} مفعول لأنّه يُحَوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو، وذلك ينافي بلاغة الكلام.
و{شياطين} بدل من {عدوًا} وإنَّما صيغ التّركيب هكذا: لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى الله عليه وسلم فمن أعرب {شياطين} مفعولًا ل {جَعل} و{لكل نبي} ظرفًا لغوًا متعلِّقًا بـ {عدوّا} فقد أفسد المعنى.
والعَدُوّ: اسم يقع على الواحد والمعتددّ، قال تعالى: {هم العدوّ فاحذرهم} [المنافقون: 4] وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدوّ لكم} في [سورة النساء: 92]. اهـ.

.قال الفخر:

النصب في قوله: {شياطين} فيه وجهان:
الأول: أنه منصوب على البدل من قوله: {عَدُوّا} والثاني: أن يكون قوله: {عَدُوّا} منصوبًا على أنه مفعول ثان، والتقدير: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء.
واختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين: الأول: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان؛ كل عات متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا: إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: «هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟» قال قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: «نعم هم شر من شياطين الجن».
والقول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس.
والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين الإنس والجن، ومن الناس من قال: القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين، ومنهم من يقول: القول الثاني أولى، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن.
والإضافة تقتضي المغايرة، وعلى هذا التقدير: فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس.

.فائدة: في تأكد المفرد بما يؤكد الجمع به:

قال الزجاج وابن الأنباري: قوله: {عَدُوًّا} بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري:
إذا أنا لم أنفع صديقي بوده ** فإن عدوي لن يضرهمو بغضي

أراد أعدائي، فأدى الواحد عن الجمع، وله نظائر في القرآن.
ومنها قوله: {ضَيْفِ إبراهيم المكرمين} [الذاريات: 24] جعل المكرمين وهو جمع نعتًا للضيف وهو واحد.
وثانيها: قوله: {والنخل باسقات لَّهَا طَلْعٌ} [ق: 10].
وثالثها: قوله: {أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء} [النور: 31].
ورابعها: قوله: {إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ} [العصر: 2].
وخامسها: قوله: {كُلُّ الطعام كَانَ حِلًا لّبَنِى إسرائيل} [آل عمران: 93] أكد المفرد بما يؤكد الجمع به، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف، فإن التقدير: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوًا واحدًا، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد. اهـ. بتصرف يسير.

.قال القرطبي:

ثم نعتهم فقال: {شَيَاطِينَ الإنس والجن} حكى سيبويه جعل بمعنى وصف.
{عَدُوًّا} مفعول أوّل.
{لِكُلِّ نَبِيًّ} في موضع المفعول الثاني.
{شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} بدل من عدوّ.
ويجوز أن يكون {شياطين} مفعولا أوّل، {عدوًا} مفعولا ثانيًا؛ كأنه قيل: جعلنا شياطين الإنس والجن عدوًّا.
وقرأ الأعمش: {شياطين الجن والإنس} بتقديم الجن. والمعنى واحد. اهـ.

.قال الألوسي:

{شياطين الإنس والجن} أي مردة النوعين كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد على أن الإضافة بمعنى من البيانية؛ وقيل: هي إضافة الصفة للموصوف والأصل الإنس والجن الشياطين، وقيل: هي بمعنى اللام أي الشياطين التي للإنس والجن.
وفي تفسير الكلبي عن ابن عباس ما يؤيده فإنه روى عنه أنه قال: إن إبليس عليه اللعنة جعل جنده فريقين فبعث فريقًا منهم إلى الإنس وفريقًا آخر إلى الجن.
وفي رواية أخرى عنه أن الجن هم الجان وليسوا بشياطين والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا معه والجن يموتون ومنهم المؤمن والكافر، وهو نصب على البدلية من {عَدُوّا} والجعل متعد إلى واحد أو إلى إثنين وهو أول مفعوليه قدم عليه الثاني مسارعة إلى بيان العداوة، واللام على التقديرين متعلقة بالجعل أو بمحذوف وقع حالًا من {عَدُوّا} قدم عليه لنكارته، وجوز أن يكون متعلقًا به وقدم عليه للإهتمام، وأن يكون نصب {شياطين} بفعل مقدر. اهـ.

.قال ابن عاشور:

والشّيطان أصله نوع من الموجودات المجرّدة الخفية، وهو نوع من جنس الجنّ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102].
ويطلق الشّيطان على المضلّل الّذي يفعل الخبائث من النّاس على وجه المجاز.
ومنه شياطين العرب لجماعة من خباثهم، منهم: ناشب الأعور، وابنُه سعد بن ناشب الشّاعر، وهذا على معنى التّشبيه، وشاع ذلك في كلامهم.
والإنس: الإنسان وهو مشتقّ من التأنّس والإلْف، لأنّ البشر يألف بالبشر ويأنس به، فسمّاه إنسًا وإنسانًا.
و{شياطين الإنس} استعارة للنّاس الّذين يفعلون فعل الشّياطين: من مكر وخديعة.
وإضافة شياطين إلى الإنس إضافة مجازية على تقدير (مِن) التبعيضية مجازا، بناء على الاستعارة التي تقتضي كون هؤلاء الإنس شياطين، فهم شياطين، وهم بعض الإنس، أي أنّ الإنس: لهم أفراد متعارفة، وأفراد غير متعارفة يطلق عليهم اسم الشّياطين، فهي بهذا الاعتبار من إضافة الأخصّ من وجهٍ إلى الأعمّ من وجهٍ، وشياطين الجنّ حقيقة، والإضافة حقيقة، لأنّ الجنّ منهم شياطين، ومنهم غير شياطين، ومنهم صالحون، وعداوة شياطين الجنّ للأنبياء ظاهرة، وما جاءت الأنبياء إلاّ للتحذير من فعل الشّياطين، وقد قال الله تعالى لآدم: {إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك} [طه: 117]. اهـ.

.قال الفخر:

المراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضًا.
واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر.
إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضًا. وللناس فيه مذاهب.
منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما أرضية، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة، وهم الملائكة الأرضية.
ومنها خبيثة قذرة شريرة، آمرة بالقبائح والمعاصي، وهم الشياطين.
ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضًا بالطاعات.
والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضًا بتلك القبائح والزيادة فيها.
وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام، فالنفوس البشرية، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها.
ثم إن صفات الطهارة كثيرة.
وصفات الخبث والنقصان كثيرة، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه، فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكًا وكان تقوية ذلك الخاطر إلهامًا، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطانًا، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا} فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة: الأول: الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع.
والثاني: الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلًا، وظاهره مزينًا ظاهرًا، يقال: فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف.
واعلم أن تحقيق الكلام فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملًا على خير راجح ونفع زائد، فإنه لا يرغب فيه، ولذلك سمي الفاعل المختار مختارًا لكونه طالبًا للخير والنفع، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقًا للمعتقد، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادرًا من الملك، وإن لم يكن معتقدًا مطابقًا للمعتقد، فحينئذ يكون ظاهره مزينًا، لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح، ويكون باطنه فاسدًا باطلًا.
لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفًا.
فهذا تحقيق هذا الكلام.
والثالث: قوله: {غُرُورًا} قال الواحدي: {غُرُورًا} منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى.
لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال يغرون غرورًا، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقًا للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك، فالغرور إما أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل.
فظهر بما ذكرنا أن تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا}. اهـ.

.قال القرطبي: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا}

عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس.
وسُمِّيَ وَحْيًا لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفًا لتزيينهم إياه؛ ومنه سمي الذهب زخرفا.
وكل شيء حسَن مُمَوّه فهو زُخْرُف. والمزخرَف المزيّن. وزخارف الماء طرائقه.
و{غُرُورًا} نصب على المصدر، لأن معنى {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} يغرونهم بذلك غرورًا.
ويجوز أن يكون في موضع الحال.
والغرور الباطل.
قال النحاس: ورُوي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} قال: مع كل جني شيطان، ومع كل إنسيّ شيطان، فيلقى أحدهما الآخر فيقول: إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله.
ويقول الآخر مثل ذلك؛ فهذا وحي بعضهم إلى بعض.
وقاله عكرمة والضحاك والسُّدِّي والكَلْبي.
قال النحاس: والقول الأوّل يدل عليه {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]؛ فهذا يبيّن معنى ذلك.
قلت: ويدُلّ عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قَرِينُه من الجن» قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» روى «فأسلم» برفع الميم ونصبها.
فالرفع على معنى فأسلم من شره.
والنصب على معنى فأسلم هو.
فقال: «ما منكم من أحد» ولم يقل ولا من الشياطين؛ إلا أنه يحتمل أن يكون نبّه على أحد الجنسين بالآخر؛ فيكون من باب {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} وفيه بُعْدٌ، والله أعلم.
وروى عَوف بن مالك عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذَرّ هل تعوّذت بالله من شرّ شياطين الإنس والجن»؟ قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: «نعم هم شرٌ من شياطين الجن» وقال مالك بن دِينار: إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوّذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عِيانًا.
وسَمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تنشد:
إن النساء رَياحين خلقن لكم ** وكلُّكم يشتهِي شمّ الرياحين

فأجابها عمر رضي الله عنه:
إن النساء شياطين خُلقن لنا ** نعوذ بالله من شر الشياطين